كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

الموسـوعـة القــرآنية
تفسير القـرآن الكريــم
جامع الحديث الشريف
خـــزانــــــــة الكـــتــب
كـــتــــب مــخـــتــــارة
الـكـتـاب الــمسـمــــوع
الفـهــرس الشــــــامـل
الــــرســـائل العـلــمية
الـــــدروس والخــطـب
أرشـــيف الـفتــــــــوى
رمـــضـــــانـــيـــــــات
روائــــــــع مختـــــارة
مجلـة نـــداء الإيمــان
هدايا الموقع
روابط مهمة
خدمات الموقع
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال النَّافِي: وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ مُصِيبِينَ فَإِنَّهُ يُقال لَنَا: أَنْتُمْ قُلْتُمْ شَيْئًا لَمْ آمُرْكُمْ بِقوله وَطَلَبْتُمْ عِلْمًا لَمْ آمُرْكُمْ بِطَلَبِهِ. فَالثَّوَابُ إنَّمَا يَكُونُ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ وَأَنْتُمْ لَمْ تَمْتَثِلُوا أَمْرِي.
قال: وَإِنْ كُنَّا مُخْطِئِينَ فَقَدْ خَسِرْنَا خُسْرَانًا مُبِينًا. وَهَذَا حَالُ مَنْ أَثَبَتَ الْمُفَاضَلَةَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَمَنْ نَفَاهَا فَإِنَّ الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقولاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قوله وَفَسَادَ قول مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا قول أحد مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقول كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقول.
وَاحْتِجَاجُ الْمُحْتَجِّ عَلَى نَفْيِ التَّفَاضُلِ بِقوله: {جَعَلُوا القرآن عِضِينَ} فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهَا مَنْ آمَنَ بِبَعْضِهِ وَكَفَرَ بِبَعْضِهِ أَوْ أُرِيدَ بِهَا مَنْ عَضَهَهُ فَقال: هُوَ سِحْرٌ وَشِعْرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ بَلْ مَنْ نَفَى فَضْلَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} عَلَى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ جَعَلَهُ عِضِينَ؛ إنْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ كَلَامَهُ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ جَمِيعُهُ كَلَامُ اللَّهِ وَأَقَرَّ بِهِ كُلِّهِ فَلَمْ يَكْفُرْ بِحَرْفِ مِنْهُ وَعَلِمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ وَأَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا وَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ قِيلًا وَأَقَرَّ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِ بَعْضِ كَلَامِهِ كَفَضْلِ (فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) و(آيَةِ الْكُرْسِيِّ) و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} وَنَحْوِ ذَلِكَ بَلْ وَتَفْضِيلُ (يس) و(تَبَارَكَ) وَالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بَلْ وَتَفْضِيلُ (الْبَقَرَةِ) و(آلِ عِمْرَانَ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السُّورِ وَالْآيَاتِ الَّتِي نَطَقَتْ النُّصُوصُ بِفَضْلِهَا وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ كَلَامًا لِغَيْرِهِ لَا مَعَانِيهِ وَلَا حُرُوفُهُ فَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ جَعْلِهِ عِضِينَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ؛ بَلْ آمَنَ بِفَضْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِفَضْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ؛ فَإِنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ آمَنَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَكَذَلِكَ مَنْ قال: إنَّهُ مَعْنًى وَأحد وَأَنَّ القرآن الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ أحدثَهُ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ فَهَذَا أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيمَنْ عَضَهَ القرآن وَرَمَاهُ بِالْإِفْكِ وَجَعَلَ القرآن الْعَرَبِيَّ كَلَامَ مَخْلُوقٍ: إمَّا بَشَرٌ وَإِمَّا مَلِكٌ وَإِمَّا غَيْرُهُمَا فَمَنْ جَعَلَ القرآن كُلَّهُ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ وَلَا هُوَ مِنْ أحداثِ مَخْلُوقٍ لَا جِبْرِيلَ وَلَا مُحَمَّدٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْهُ بَلْ جِبْرِيلُ رَسُولٌ مَلَكٌ وَمُحَمَّدٌ رَسُولٌ بَشَرٌ وَاَللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ فَاصْطَفَى لِكَلَامِهِ الرَّسُولَ الْمَلَكِيَّ فَنَزَلَ بِهِ عَلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ الَّذِي اصْطَفَاهُ وَقَدْ أَضَافَهُ إلَى كُلٍّ مِنْ الرَّسُولَيْنِ لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ؛ لَا لِأَنَّهُ أَنْشَأَهُ وَابْتَدَاهُ قال تعالى: {إنَّهُ لَقول رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} فَهَذَا نَعْتُ جِبْرِيلَ الَّذِي قال فِيهِ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وَقال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وَقال: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قالوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} وَقال فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {إنَّهُ لَقول رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقول شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقول كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقول عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أحد عَنْهُ حَاجِزِينَ} فَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وَأَضَافَ الْقول إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمِ الرَّسُولِ فَقال: {لَقول رَسُولٍ}
لِأَنَّ الرَّسُولَ يَدُلُّ عَلَى الْمُرْسَلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قول رَسُولٍ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسَلٍ. لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَقول مَلَكٍ وَلَا بَشَرٍ بَلْ كَفَرَ مَنْ جَعَلَهُ قول بَشَرٍ بِقوله: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقال إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هَذَا إلَّا قول الْبَشَرِ» فَمِنْ قال إنَّهُ قول بِشَرِّ أَوْ قول مَخْلُوقٍ غَيْرِ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ جَعَلَهُ قول رَسُولٍ مِنْ الْبَشَرِ فَقَدْ صَدَقَ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا التَّبْلِيغُ وَالْأَدَاءُ كَمَا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ وَيَقول: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدّ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي».
وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ أَنَّ القرآن كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقال غير واحد مِنْهُمْ: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.
قال أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ: مِنْهُ بَدَأَ. أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يَبْتَدِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قالتْ الْجَهْمِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّ القرآن مَخْلُوقٌ قالوا: خَلْقُهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ لَا لِلَّهِ تعالى؛ لاسيما وَالْجَهْمِيَّة كُلُّهُمْ يَقولونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَهُمْ غُلَاةٌ فِي الْجَبْرِ وَلَكِنْ الْمُعْتَزِلَةِ تُوَافِقُهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ وَالْقول بِخَلْقِ القرآن وَتُخَالِفُهُمْ فِي الْقَدَرِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ مَا سِوَاهُ لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَلَامٍ كَلَامَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ وَلِذَلِكَ قال ابْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ- وَكَانَ مِنْ غُلَاةِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة يَقول بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ- قال: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَلِهَذَا قال سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ- نَظِيرُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ الَّذِي قال الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْت أَعْقَلَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْهَاشِمِيِّ- قال: مَنْ قال: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ. وَإِنْ كَانَ القرآن مَخْلُوقًا كَمَا زَعَمُوا فَلِمَ صَارَ فِرْعَوْنُ أَوْلَى بِأَنْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إذْ قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا مَخْلُوقٌ؟. وَمَعْنَى ذَلِكَ كَوْنُ قول فِرْعَوْنَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِ فِرْعَوْنَ فَإِنْ كَانَ قوله: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} كَلَامًا خَلَقَهُ فِي الشَّجَرَةِ كَانَتْ الشَّجَرَةُ هِيَ الْقَائِلَةُ لِذَلِكَ كَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ جَعْلُ الشَّجَرَةِ إلَهًا أَعْظَمَ كُفْرًا مِنْ جَعْلِ فِرْعَوْنَ إلَهًا.
وَالْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ لَمْ يَقُمْ عِنْدَهُمْ بِذَاتِ اللَّهِ لَا طَلَبٌ وَلَا إرَادَةٌ وَلَا مَحَبَّةٌ وَلَا رِضًا وَلَا غَضَبٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُجْعَلُ مَدْلُولَ الْأَصْوَاتِ الْمَخْلُوقَةِ. وَلَا قَامَ بِذَاتِهِ عِنْدَهُمْ إيجَابٌ وَإِلْزَامٌ وَلَا تَحْرِيمٌ وَحَظْرٌ فَلَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ الْمَخْلُوقِ فِي غَيْرِهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا خَلَقَهُ فِي الْجَمَادِ وَمَا خَلَقَهُ فِي الْحَيَوَانِ. وَكَانَ مَقْصُودُ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالقرآن وَسَائِرِ كَلَامِهِ. وَأَنَّهُ مِنْهُ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلْ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} وَقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} لَمْ يَقُلْ أحد مِنْ السَّلَفِ: إنَّ القرآن قَدِيمٌ وَإِنَّمَا قالوا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقالوا لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ وَلَا قال أحد مِنْهُمْ: إنَّ اللَّهَ فِي الْأَزَلِ نَادَى مُوسَى وَلَا قال: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقول يَا آدَمَ يَا نُوحُ يَا مُوسَى يَا إبْلِيسُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ قال. وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ اتَّبَعَ السَّلَفَ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فلابد أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا إذْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ إلَّا هَذَا وَهَذَا وَهَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَوْ يَغْضَبُ عَلَى الْكُفَّارِ إذَا عَصَوْهُ أَوْ يَرْضَى عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إذَا أَطَاعُوهُ أَوْ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ إذَا تَابُوا أَوْ يَكُونُ نَادَى مُوسَى حِينَ أَتَى الشَّجَرَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وَقوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} وَقوله: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} وَقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وَقال تعالى: {إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ كَلِمَاتِهِ لَا نَفَادَ لَهَا بِقوله: {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} وَقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وَأَتْبَاعُ السَّلَفِ يَقولونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ أَيْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ لَا يَقولونَ: إنَّ نَفْسَ الْكَلِمَةِ الْمُعَيَّنَةِ قَدِيمَةٌ كَنِدَائِهِ لِمُوسَى وَنَحْوِ ذَلِكَ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا أَنَّ القرآن وَسَائِرَ كَلَامِ اللَّهِ قَدِيمُ الْعَيْنِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قال الْقَدِيمُ هُوَ مَعْنًى وَأحد هُوَ جَمِيعُ مَعَانِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالقرآن وَأَنَّ التَّوْرَاةَ إذَا عُبِّرَ عَنْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ صَارَتْ قرآنا وَالقرآن إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ صَارَ تَوْرَاةً: قالوا: وَالقرآن الْعَرَبِيُّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ بَلْ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أحدثَهُ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ فَيَكُونُ كَلَامًا لِذَلِكَ الرَّسُولِ تَرْجَمَ بِهِ عَنْ الْمَعْنَى الْوَاحد الْقَائِمِ بِذَاتِ الرَّبِّ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ مَعَانِي الْكَلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قال: بَلْ القرآن الْقَدِيمُ هُوَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ وَهِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ الرَّبِّ أَزَلًا وَأَبَدًا وَهِيَ مُتَعَاقِبَةٌ فِي ذَاتِهَا وَمَاهِيَّتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا؛ فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَكُونُ بَعْضُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى بَعْضٍ فَفَرَّقُوا بَيْنَ ذَاتِ الْكَلَامِ وَبَيْنَ وُجُودِهِ وَجَعَلُوا التَّعَاقُبَ فِي ذَاتِهِ لَا فِي وُجُودِهِ كَمَا يُفَرِّقُ بَيْنَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ بِأَعْيَانِهَا وَمَاهِيَّاتِهَا مَنْ يَقول بِذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ والمتفلسفة وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَقول: إنَّهُ إذَا كَلَّمَ مُوسَى أَوْ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُ بِكَلَامِ يَتَكَلَّمُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ حِينَ يُكَلِّمُهُ وَلَكِنْ يَخْلُقُ لَهُ إدْرَاكًا يُدْرِكُ ذَلِكَ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ اللَّازِمَ لِذَاتِ اللَّهِ أَزَلًا وَأَبَدًا.
وعندَهُمْ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقول: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} وَ: {يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} و{يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَغَيْرِهَا فِي مَوَاضِعَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَيْنِ الْقوليْنِ لَا يَقْدِرُ أحد أَنْ يَنْقُلَ واحدًا مِنْهُمَا عَنْ أحد مِنْ السَّلَفِ: أَعْنِي الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ الَّذِينَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ فِي زَمَنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَلَا زَمَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا قَبْلَهُمْ. وَأَوَّلُ مَنْ أحدثَ هَذَا الْأَصْلَ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ وَعَرَفَ أَنَّ الْحُرُوفَ مُتَعَاقِبَةٌ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةَ الْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْمُتَأَخِّرَ قَدْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ وَالْقَدِيمُ لَا يَسْبِقُهُ غَيْرُهُ وَالصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ قَدِيمًا فَقال بِأَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ الْمَعْنَى ثُمَّ جَعَلَ الْمَعْنَى واحدًا لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ لِامْتِنَاعِ اخْتِصَاصِهِ بِعَدَدِ مُعَيَّنٍ وَامْتِنَاعِ مَعَانٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي آن واحد وَجَعَلَ القرآن الْعَرَبِيَّ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ. فَلَمَّا شَاعَ قوله وَعَرَفَ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ فَسَادَهُ شَرْعًا وَعَقْلًا قالتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى- مِمَّنْ وَافَقَتْهُ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ- إنَّ القرآن كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَعَلَى الْأَصْلِ الَّذِي أحدثَهُ مِنْ الْقول بِقِدَمِ القرآن-: إنَّ القرآن قَدِيمٌ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ الْحُرُوفِ الْمُتَعَاقِبَةِ وَالْأَصْوَاتِ الْمُؤَلَّفَةِ. فَصَارَ قول هَؤُلَاءِ مُرَكَّبًا مِنْ قول الْمُعْتَزِلَةِ وَقول الْكُلَّابِيَة فَإِذَا نَاظَرُوا الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى أَنَّ القرآن كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ نَاظَرُوهُمْ بِطَرِيقَةِ ابْنِ كُلَّابٍ وَإِذَا نَاظَرَهُمْ الْكُلَّابِيَة عَلَى أَنَّ القرآن الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّ القرآن الَّذِي يَقرأهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ اللَّهِ نَاظَرُوهُمْ بِحُجَجِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قول أحد مِنْ السَّلَفِ كَمَا بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا قال شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا أَصْحَابُهُمْ الَّذِينَ أَدْرَكُوهُمْ وَإِنَّمَا قالهُ- مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِمْ- بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ تَلَقَّوْهَا عَمَّنْ قالهَا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ خِبْرَةٌ لَا بِأَقْوَالِ السَّلَفِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ وَلَا بِحَقَائِقِ أَقْوَالِ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ وَلِمَ قالوا هَذَا وَمَا الَّذِي أَلْجَأَهُمْ إلَى هَذَا؟ وَقَدْ شَاعَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ أَنَّ القرآن لَيْسَ بِمَخْلُوقِ وَالْقول بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ قول مُبْتَدَعٌ مَذْمُومٌ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَصَارَ مَنْ يُطَالِعُ كُتُبَ الْكَلَامِ الَّتِي لَا يَجِدُ فِيهَا إلَّا قول الْمُعْتَزِلَةِ وَقول مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ وَانْتَسَبَ إلَى السُّنَّةِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا هَذَا الْقول وَهَذَا وَذَاكَ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ قول مَذْمُومٌ عِنْدَ السَّلَفِ فَيُظَنُّ الْقول الْآخَرَ قول السَّلَفِ كَمَا يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ: لَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا قوليْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَيَظُنُّ الصَّوَابَ واحدًا مِنْهَا وَيَكُونُ فِيهَا قول لَمْ يَبْلُغْهُ وَهُوَ الصَّوَابُ دُونَ تِلْكَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ. وَاَللَّهُ يَهْدِينَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ إلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْقول وَالْعَمَلِ وَمَنْ اجْتَهَدَ بِقَصْدِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ بَلْ يُثِيبُهُ اللَّهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ طَاعَتِهِ وَيَغْفِرُ مَا أَخْطَأَ فِيهِ فَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ.
فَصْلٌ:
وَالنُّصُوصُ وَالْآثَارُ فِي تَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ- بَلْ وَتَفْضِيلُ بَعْضِ صِفَاتِهِ- عَلَى بَعْضٍ مُتَعَدِّدَةٌ. وَقول الْقَائِلِ صِفَاتُ اللَّهِ كُلُّهَا فَاضِلَةٌ فِي غَايَةِ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ لَيْسَ فِيهَا نَقْصُ. كَلَامٍ صَحِيحٍ لَكِنَّ تَوَهُّمَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ كَانَ الْمَفْضُولُ مَعِيبًا مَنْقُوصًا خَطَأٌ مِنْهُ فَإِنَّ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَسْمَائِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَلِهَذَا يُقال دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ. وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ صِفَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ وَبَعْضُ أَفْعَالِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ فَفِي الْآثَارِ ذَكَرَ اسْمَهُ الْعَظِيمَ وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ وَاسْمَهُ الْكَبِيرَ وَالْأَكْبَرَ كَمَا فِي السُّنَنِ وَرَوَاهُ أَحْمَد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ بريدة عَنْ أَبِيهِ قال: دَخَلْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْأحد الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد. فَقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».
وَعَنْ أَنَسٍ قال: كُنْت جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ تَشَهَّدَ وَدَعَا فَقال فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنَّ لَك الْحَمْدُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ فَقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي». وَفِي رِوَايَةٍ «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» فَوَصَفَ رَحْمَتَهُ بِأَنَّهَا تَغْلِبُ وَتَسْبِقُ غَضَبَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ رَحْمَتِهِ عَلَى غَضَبِهِ مِنْ جِهَةِ سَبْقِهَا وَغَلَبَتِهَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقول فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَأَعُوذُ بِك مِنْك».
وروى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَقول ذَلِكَ فِي وِتْرِهِ لَكِنَّ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ الِاسْتِعَاذَةِ بِكَلِمَاتِهِ التَّامَّاتِ كَقوله: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَمِنْ شَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ خَوْلَةَ أَنَّهُ قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقال: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ». وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قال لِعُثْمَانِ بْنِ أَبِي العاص: «قُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْتَعَاذَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ فَقَدْ اسْتَعَاذَ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ. وَأَمَّا اسْتِعَاذَتُهُ بِهِ مِنْهُ فلابد أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ: يَسْتَعِيذُ بِهِ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْجِهَةِ وَمِنْهُ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْجِهَةِ لِيَتَغَايَرَ الْمُسْتَعَاذُ بِهِ وَالْمُسْتَعَاذُ مِنْهُ إذْ أَنَّ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ مُخَوِّفٌ مَرْهُوبٌ مِنْهُ وَالْمُسْتَعَاذُ بِهِ مَدْعُوٌّ مُسْتَجَارٌ بِهِ مُلْتَجَأٌ إلَيْهِ وَالْجِهَةُ الْواحدة لَا تَكُونُ مَطْلُوبَةً مَهْرُوبًا مِنْهَا لَكِنْ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ تَصِحُّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَقول عِنْدَ النَّوْمِ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفَسِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك لَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنْك إلَّا إلَيْك. آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت وَبِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت» فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُنْجِي مِنْهُ إلَّا هُوَ وَلَا يُلْتَجَأُ مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ. وَأَعْمَلَ الْفِعْلَ الثَّانِيَ لَمَّا تَنَازَعَ الْفِعْلَانِ فِي الْعَمَلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ جِهَةَ كَوْنِهِ مُنْجِيًا غَيْرَ جِهَةِ كَوْنِهِ مُنْجِيًا مِنْهُ وَكَذَلِكَ جِهَةُ كَوْنِهِ مُلْتَجًا إلَيْهِ غَيْرَ كَوْنِهِ مُلْتَجًا مِنْهُ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِمَفْعُولَاتِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ بِذَاتِهِ بِاعْتِبَارَيْنِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ: الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَمَا وَلُوا». وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْيَدَيْنِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَيَذْكُرُ فِيهَا أَنَّ كِلْتَاهُمَا يَمِينٌ مَعَ تَفْضِيلِ الْيَمِينِ.